حيدر حب الله
188
حجية الحديث
8 - الظنّ بين الكفاية عن العلم ومقابلته ، نقد محاولة الأعظمي المناقشة الثامنة : ما ذكره الدكتور الأعظمي ، من أنّ معنى الحقّ في الآية هو الأمر الثابت قطعاً ، وأنّ كلمة يغني معناها يدفع ، فيكون معنى الآية الكريمة أنّ الظنّ لا يعارض القطع واليقين ولا يدفعه ، ومن الواضح أنّ حجيّة السنّة المحكية الظنّية لا تدفع اليقين والقطع المأخوذ من سائر مصادر الدين اليقينية « 1 » . لكنّ هذا الكلام قابل للجواب ، فإنّ كلمة يغني لا تكون بمعنى يدفع هنا ، بل بمعنى يكفي عنه ويقوم مقامه ، والجذر اللغوي ل - ( غنى ) يدلّ على الكفاية كما يدلّ على الصوت الحسن « 2 » ، ولا يفيد الدفع ، فيكون معنى الآية أنّ الظنّ لا يجعل للإنسان الكفاية من العلم ، وكأنّه في مقابل القول بأنّ الظنّ يكفيني من العلم فلا يحيجني إليه . قد يقال : إنّ يُغني لو عدّيت ب - عن دلّت على الكفاية ، ولو عدّيت ب - من عنت الدفع ، كقوله تعالى : ( لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ) ( الغاشية : 7 ) ، وقوله : ( لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ) ( المرسلات : 31 ) بمعنى يدفع الجوع واللهب ، كما ذكره غير واحد من المفسّرين « 3 » . لكنّ الصحيح أنّ يغني هنا أيضاً بمعنى الكفاية ، فإنّه يراد أنّ هذا الطعام لا يجعلني في كفاية بعد الجوع ، على أنّ من تستعمل في اللغة العربية بمعنى عن « 4 » ، كما في قوله تعالى : ( فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) ( الزمر : 22 ) ، وقوله سبحانه : ( يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا ) ( الأنبياء : 97 ) ، ومن عدم ذكر أهل اللغة معنى الدفع في يغني يفهم أنّ المعنى واحد فيهما ، وهو المتبادر من الآيات الكريمة . وقد ذكر الرازي الإصفهاني هنا أنّ المراد بالحقّ هو الأمر الثابت في الواقع ، والمراد
--> ( 1 ) الأعظمي ، دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه 1 : 34 ، 35 . ( 2 ) ابن فارس ، معجم مقاييس اللغة 4 : 397 . ( 3 ) انظر : مجمع البيان 10 : 234 ، 336 ؛ والأمثل 20 : 152 ؛ والتسهيل لعلوم التنزيل 4 : 195 . ( 4 ) ابن هشام الأنصاري ، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب 1 : 321 .